بسم الله الرحمن الرحيم
حالة الإرهاق والاستنزاف الجديدة للغرب في العالم الاسلامي
يرصد هذا المقال حالة جديدة وغير مسبوقة من استنزاف الغرب وإرهاقة في العالم الاسلامي، وأن هذه الحالة تقود الغرب الى الضعف والمسلمين الى القوة، وهي ظرف جديد تحكيه الوقائع على الأرض لتؤكد قرب الفرج وأن المسلمين بإذن الله على موعد غير بعيد مع نصر عظيم.
عقد حلف شمال الأطلسي في بدايات شهر شباط مؤتمراً في ليتوانيا كان عنوانه أفغانستان، وبعدها أيضاً كانت وزيرة الخارجية الأمريكية رايس بصحبة وزير الشؤون الخارجية البريطاني ميليباند في زيارة لأفغانستان، وانعقد بعد ذلك مؤتمر ميونخ لمناقشة سياسة الأمن الدولي وهدد وزير الدفاع الأمريكي بأن أفغانستان قد تقسم حلف الاطلسي. كانت الأجواء مشحونة بقوة بين دول حلف الأطلسي في المؤتمرين (ليتوانيا وميونخ) بشأن زيادة عدد القوات في أفغانستان لمواجهة تنامي قوة حركة طالبان، فدول أوروبا عموماً غير متفقة مع واشنطن بشأن زيادة عدد قواتها هناك، والقوات الألمانية تتواجد في المناطق الشمالية الآمنة من أفغانستان وترفض أي فكرة لنقل قواتها الى الجنوب أو الشرق حيث يتزايد النشاط العسكري لطالبان، وفي الجنوب تقف القوات الأمريكية والبريطانية والكندية وحدها في المواجهة، والقوات الكندية هددت بأنها بشأن سحب قواتها العام القادم إذا لم يتم إرسال تعزيزات من دول الناتو لتلك المناطق الساخنة. وقبل الشهر من الآن طردت حكومة قرضاي في أفغانستان بعض الأوروبيين (منهم إنجليزي واحد على الأقل) بتهمة مفاوضة حركة طالبان دون علم حكومة قرضاي المنصبة من واشنطن. وفوق كل ذلك ذكر مسؤولون أوروبيون بأن الولايات المتحدة تعتبر نفسها في حالة حرب في أفغانستان، وكأنهم يودون التأكيد بأن الحكومات الأوروبية لديها نظرة مختلفة للوضع في أفغانستان.
إن هذه الحالة من التردد الأوروبي وما يمكن أن يرقى الى تفسخ جوهري في دول الناتو من حول القيادة الأمريكية إذا ما قرن بمؤشرات أخرى يمكن النظر اليه باعتباره مراجعة أوروبية شاملة لسياساتها في المنطقة ومراجعة لأبعاد التصاقها بسياسات الولايات المتحدة. ويستحيل أن تكون تلك المراجعات بعيدة عن عرض أسامة بن لادن للدول الأوروبية بمراجعة سياساتها لأن العدو البعيد سينهزم ويولي الأدبار عبر المحيطات ويبقى الجيران لتصفية حساباتهم. بالتأكيد فإن الدول الأوروبية لن تعترف بأن قول بن لادن هو السبب، وهذا صحيح، لأن المشكلة ليست مع تنظيم القاعدة لوحده، بل المسألة في علاقة الأمم الأوروبية بالأمة الاسلامية أي أن أبعاد السياسات الأوروبية أشمل وأعمق وأبعد مدىً، ولو كان الوضع مقتصراً على الجانب الأوروبي لوحده لكانت المسألة مسألة تغيير اتجاه في كتلة معينة من الدول هي الدول الأوروبية. لكن بالتدقيق الشامل في آثار الأحداث التي تلت 11 سبتمبر 2001 وعمق الأخطار التي تواجه الغرب فإن المسألة ترقى الى درجة يمكن تسميتها بالحالة الجديدة من القوة والضعف في الدول الاستعمارية عموماً.
أما كونه غير مقتصر على الدول الأوروبية فإن أصواتاً كبرى في الولايات المتحدة تدعو الى التصالح مع العالم الاسلامي بعد الأزمات التي عصفت بأمريكا نتيجة فشلها في العراق أولاً وبدرجة أقل في أفغانستان، وفي إسرائيل فإن المخاوف من المستقبل وتزايد المخاطر التي تواجه الدولة اليهودية قد أصبح مأزقاً جديداً يواجه الدولة ولكنه هذه المرة عصي عن أي حل يمكن أن يقنع اليهود. وبهذا فإن مجمل القوى الغربية المحتلة والمستعمرة للمنطقة الاسلامية قد أخذت تنتابها حالة جديدة لا سابق لها في التاريخ المعاصر، هي حالة الاستنزاف والإعياء السياسي والعسكري.
والمراقب للسياسة الدولية في الفترة الأخيرة يجد تركيزاً غير مسبوق في الصراع الأمريكي الأوروبي بل والصيني في إفريقيا، يلاحظ بأن أمريكا وأوروبا تقوم بنقل سياساتها الى أفريقيا دون أن تحل القضايا المركزية الساخنة في المنطقة الاسلامية. فأمريكا تحوم الدول الأفريقيا لإيجاد دولة تقبل بأن تكون مركزاً للقيادة العسكرية الجديدة التي أنشأتها أمريكا لجيوشها في إفريقيا. وإذا تجاوزنا قليلاً باعتبار أن الصومال وكينيا وتشاد وغيرها من البلدان الأفريقيا هي جزء لا يتجزء من العالم الاسلامي إلا أن واقع هذه البلاد يختلف عن واقع بلاد المركز في العالم الاسلامي فنشطت في هذه المناطق السياسات الاستعمارية وأثارت الحروب الأهلية والبينية داخل الصومال وبينه وبين إثيوبيا فقامت إثيوبيا باحتلال الصومال، وبسبب الأوضاع المضخمة من الدول الاستعمارية في دارفور نشط الصراع على تشاد، وفي كينيا نشأت الحرب الأهلية في أعقاب الانتخابات الرئاسية، ولم يهدأ أبداً الوضع في جنوب السودان وفي دارفور وأصبح نقطة ساخنة وبؤرة للتدخلات الدولية ونشط الاتحاد الافريقي وأخذ يرسل الجيوش الى المناطق الساخنة.
وفي غرب أفريقيا فقد ترسخ الانقلاب في موريتانيا، وأخذت تنشط فيها مجموعات إسلامية تستهدف الغربيين. كل ذلك يشير بوضوح الى احتدام الصراع الاستعماري على إفريقيا، وهذا مشاهد محسوس، ولكنه من زاوية أخرى يعتبر نقلاً للصراع على النفوذ من المنطقة الاسلامية الى أفريقيا. فالغرب قد أضاف الى المسائل المستعصية في الشرق الأوسط كالقضية الفلسطينية التي تجاوزت القرن العشرين دون أن يجد لها الغرب حلاً قضايا جديدة هي العراق وأفغانستان ، والغرب غير قادر على تسوية أي من تلك القضايا الكبرى وتركها بدون حل لأنه يدرك أن حلها غير ممكن في المدى المنظور، فأصبحت القضية الفلسطينية مع العراق وأفغانستان تزيد في سخونة الأوضاع في المنطقة الاسلامية وتزيد من الصعوبات التي تعاني منها الدول الاستعمارية في المنطقة وتزيدها إعياءً واستنزافاً، بل إن هذه القضايا لا سيما الجديد منها هو الذي عرى الدول الغربية وكشف عن ضعفها، وحملها الى اليأس من العالم الاسلامي والانتقال الى مناطق أخرى كأفريقيا. أي أن الفشل في حسم المواقف في العراق وأفغانستان هو الذي دفع الدول الاستعمارية أمريكا وأوروبا الى البحث عن الاستعمار السهل في أفريقيا.
ومن أجل التفصيل لا بد من بحث المسألة على الأسس التالية:
تعريف الاعياء السياسي
هل أمريكا والغرب متعبة في العراق وأفغانستان (والسعودية وفلسطين) وغيرها وكيف كان ذلك؟
القوة الذاتية في العالم الاسلامي
الآثار القادمة لذلك على الغرب وعلى المنطقة.
وقبل تفصيل الإعياء في السياسات الغربية في العالم الاسلامي لا بد من إدراك واقع الإعياء ومدى خطورته. إن الإعياء والإنهاك بمعنىً واحد وإن كان الإنهاك يعبر عن درجة أعلى من الإعياء، والإعياء حالة غير صحية أي حالة مرضية تصيب صانع القرار العسكري والسياسي فتجعل قواه المعهودة غير قابلة للعمل والانتاج كما في وضعها الطبيعي، وهذا يعني أن نفس القوة التي كانت تحقق الهدف فيما مضى لا يمكنها بحال أن تحققه في وضع الإعياء فيضطر صاحب القرار الى زج قوى أكبر وأكثر في ساحة الصراع، وأعلى درجات الإعياء أن يرى صانع القرار أن كامل قوته غير قادرة على تحقيق الهدف المنشود، عندها ينتقل الى نوع من اليأس في إنجاز الهدف فيغلب التردد وعدم الحزم وقلة الثقة على تصرفاته، والذي يسبب ذلك عادةً هو الفشل المزمن إذ إن الفشل المنفرد يمكن تجاوزه، لكن الفشل تلو الفشل يقود الى حالة من الشلل في إدارة أزمة ما.
فمثلاً استخدام إسرائيل للقوة المفرطة تجاه العرب كان يخلق مناخاً رادعاً يمنع العرب من مهاجمة إسرائيل بشكل جريء، فكانت سياسة إسرائيل في دفع العرب عنها هي القوة الرادعة، لكن ذلك قد أخذ يتغير منذ سنة 1987م حينما نشبت الانتفاضة الفلسطينية الأولى وأخذ الأطفال في فلسطين يلاحقون الجندي الاسرائيلي بالحجارة فزال حاجز الخوف وضعفت هيبة اليهود وجيشهم في نفوس الناس واستمرت الأعمال العسكرية تتصاعد بجرأة أكبر داخل فلسطين ضد الجيش اليهودي خلال الانتفاضتين وما بينهما، ومن مشاهد الضعف اليهودي أن مستوى التدريب الفعلي لدى جنوده قد صار محصوراً الى حد كبير في ملاحقة الأطفال الفلسطينيين واعتقالهم، واعترف اليهود بأن قوة الردع الاسرائيلية لم يعد لها أي فعل عند الفلسطينيين ولكنهم استمروا يعتبرونها فعالة على المستوى الخارجي في المحيط العربي والاسلامي. ولكن تبين فيما بعد بأنها قد سقطت نهائياً بعد أن خطف حزب الله جنوداً إسرائيليين وقامت إسرائيل لتخوض حرباً شاملة في لبنان صيف سنة 2006م وفشل الجيش الاسرائيلي فشلاً ذريعاً في تحقيق أي من أهدافه في لبنان. ولعل شدة لهجة تقرير فينوغراد الصادر في كانون ثاني 2008م في إسرائيل يعبر عن مدى خيبة أمل اليهود من جيشهم وساستهم.
والمراقب لمواقف السياسيين في الدولة اليهودية يكاد يرى بأن الدولة على حافة الشلل بسبب الفشل في الحملات الأمنية الاسرائيلية في فلسطين ولبنان ووقوف اليهود مبهورين بالإنجازات النووية الايرانية عاجزين عن القيام بأي تصرف فعّال وأن حلاً لقضية دولة اسرائيل وأمنها لم يعد يرى في الأفق القريب والبعيد لدى هؤلاء السياسيين.
والذي يدفع عادةً الى حالة الإعياء السياسي أحد سببين أو كلاهما، الأول: عدم الحنكة في إنجاز المهام، وهذا ما يكون عادةً نتيجة ضعف القدرات الفكرية والسياسية والعسكرية لدى القائمين على المسائل السياسية والأمنية، ومن أبعاد ذلك فإن هذه القوة المبادِرة لا تكون قادرة على تقدير المخاطر والعقبات، وهذا يحدث للدول التي تؤخذ الحيوية تخبو فيها وتضعف فتقوم بالمبادرة لأنها تاريخياً كانت هي القوة المبادِرة ويجب عليها أن تستمر في ذلك، لكن نتيجة عدم تقديرها للأمور حق قدرها تصبح عاجزةً عن تقدير القوى اللازمة لها لتحقيق أهدافها الخارجية أو لدرء المفاسد عنها.
فمثلاً الدولة العثمانية كانت ترى التنافس والتناحر بين الدول الكبرى في أوروبا وكانت قضيتها أن تمنع الدول الطامعة من القضاء عليها وكان مصدر خوفها يتركز في جانب روسيا القيصرية، فقدرت أن بريطانيا أو فرنسا وقد خاضتا معها حرب القرم ضد روسيا سنة 1876م تستطيع أن تمنع عنها روسيا، فركزت الدولة العثمانية جل سياستها في استرضاء هاتين الدولتين وإعطاء الامتياز تلو الامتياز لهما، وأغفلت أن تفعيل قواها الذاتية وبعث الحيوية في أمتها كفيل بحفظها من أعدائها، فدارت الأيام فإذا بفرنسا وبريطانيا هي التي تقضي عليها وتلتهم معظم أراضيها وتوكل لمصطفى كمال القضاء عليها قضاءً مبرماً وتمده بالدعم اللازم.
ومثلاً كانت بريطانيا والدول الأوروبية بعد ضم العراق للكويت سنة 1990م تقدر بأن العقدة الفيتنامية لا تزال تتحكم في السياسة الأمريكية فقدرت بأن أمريكا لن تشن حرباً بريةً ضد الجيش العراقي، فقامت هذه الدول الأوروبية بتشجيع الرئيس العراقي للصمود ورفض المقترحات الأمريكية، وكان العالم وقتها وهو يرقب اجتماع وزراء الخارجية العراقي طارق عزيز والأمريكي جيمس بيكر في فينا لمحاولة منع الحرب ينظر الى العراق باعتباره قوةً كبرى، فتفاجأ العراق وتفاجئت الدول الأوروبية بأن الولايات المتحدة التي حشدت ما يزيد عن نصف مليون جندي أمريكي في الخليج كانت قد تخلصت من العقدة الفيتنامية وشنت حرباً هي الحرب الأمريكية الأولى بهذا الحجم بعد حرب فيتنام حتى تم إخراج العراق فعلاً من الكويت. وكانت الدول الأوروبية وكذلك صدام حسين يغفلون عن الدافع الحقيقي للحرب عند الأمريكيين، فلم تكن المسألة النفط لوحده، بل كانت أكبر من ذلك بكثير، فبعد أن تراءت نهاية الاتحاد السوفييتي فإن واشنطن كانت تترقب حدثاً تثبت من خلاله قيادتها المنفردة للعالم، فكانت في حاجة ماسة لحدث مثل احتلال العراق للكويت لتثبيت تفردها بالسياسة الدولية بعد أفول النجم السوفييتي. وهذا ما كانت الدول الأوروبية عاجزةً عن إدراكه لدى الأمريكان فخسرت كثيراً من نفوذها في الخليج، وعجزت هذه الدول عن ملء المقعد الشاغر في السياسة الدولية الذي خلفته الاصلاحات السوفييتية بقيادة غورباتشوف، فتوسعت اليه أمريكا لملئه وطردت عنه الطامعين من الدول الكبرى.
وفي الحرب الأمريكية الثانية على العراق سنة 2003م كان الرئيس صدام حسين يتوقع بأن نظامه سيبقى، ولم يجهز نفسه لغير هذا الاحتمال، وكان رد الرئيس العراقي غير مكترثٍ بنصائح وزير الخارجية الروسي بريماكوف بأن أمريكا عازمةً على تغيير النظام في العراق هذه المرة ، فقال صدام حسين: بأن النظام في العراق ها هو قد عاش عقداً بعد نصائح بريماكوف الأولى عندما كان مبعوثاً سوفييتياً لبغداد أثناء الحرب الأمريكية على العراق سنة 1991م وأن هذا النظام سيعيش كذلك بعد هذه الحرب الأمريكية (سنة 2003م)، وربما كان العراق منخدعاً بوهم الدعم الأوروبي الخفي له، فقد كانت أوروبا أعجز من أن تستطيع الوقوف في وجه السياسات الأمريكية، وسقط النظام العراقي وأعدم صدام حسين ورفاقه، وكل ذلك نتيجة عدم تقدير حقيقة الخطر وعدم تقدير ما يلزم القيام به لدرء الخطر، فكان صدام حسين يستثني كلياً مسالة قيامه بالهجوم من أجل الدفاع بل وعاجزاً كذلك عن إدراك أن أمريكا تقوم ببناء شبكة من العملاء داخل الجيش العراقي أثناء حملات التفتيش، فاستمر النظام يثق في قادته العسكرية حتى قام هؤلاء بتسليم بغداد للجيش الأمريكي على طبق من ذهب.
وهذه أمثلة ثلاثة، وغيرها كثير مما ليس المكان لسرده على أثر الضعف الفكري والسياسي في تقدير الأخطار، وما يمكن أن يؤدي اليه من إعياء وإنهاك ومهالك تردي صاحبها. وإذا كانت الدول الأوروبية قد أصابها الفشل تلو الفشل في سياساتها الدولية ولم ينجها انقيادها الظاهري خلف أمريكا فسماها وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد بأوروبا القديمة (على غرار الدولة العثمانية بالرجل المريض) وهذا ليس بالجديد إلا أن الجديد هو بداية النهاية للعصر الأمريكي أيضاً في العالم الاسلامي ونهاية عصر القوة اليهودية التي يشاهد ذبول زهرتها.
وأما السبب الثاني في الإعياء السياسي فإنه زيادة قوة الخصم بشكلٍ لم يكن منظوراً من ذي قبل.
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |